السياسة السودانية

“عصر العزوبية” يطارد مؤسسة الزواج

لأن الجميع إما متزوج أو مقبل على زواج أو كاره له نتيجة لتجربة سابقة أو في الأقل نتيجة منظومة تشبه الزواج، يظن البعض بأن تلك الخطوة شأنها شأن الأكل والشرب والكلام والنوم والموت. ولطالما ساد اعتقاد أنه “شر لا بد منه”، وذلك بحسب ما كان يهمس الأولون في آذان المقبلين أو السائلين عن رأيهم في المنظومة بعد بلوغهم اليوبيل الفضي أو الذهبي أو الماسي وربما البلاتيني لمن أراد الله أن يمد في عمره.

عمر الزواج ومعدلات حدوثه وفي المقابل معدلات الطلاق تقول أيضاً كثيراً عن هذه المنظومة المثيرة للجدل والحيرة حتى بين أولئك الذين يقولون إنه “شر لا بد منه”، لكن حتى الشر له أسباب وعوامل ودوافع وأهداف.

لماذا يتزوج البشر؟

وقد اتفقت الغالبية على أن البشر يتزوجون لأسباب تتعلق بالحب والونس، وتوثيق علاقة طويلة الأمد، وتزويد الأطفال بشكل من أشكال الأمان، وإشهار الارتباط، ولتحقيق الأمان القانوني والمالي للطرفين، وكذلك لأسباب دينية.

ارتباط الزواج -سواء أكان شراً لا بد منه أو خيراً مرجواً- بالدين والمعتقد أمر شائع في غالب أرجاء العالم، بما في ذلك الدول التي لا يبدو فيها الأثر الديني زاعقاً أو بارزاً عبر الطقوس أو المظاهر أو المزج المعروف بين سياسات الدول وقوانينها ودستورها، فإن نسبة معتبرة من الزيجات تظل طقساً دينياً إلى حد ما.

بين “ما جمعه الله لا يفرقه إنسان” و”اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خير” و”ها أنت أصبحت مقدساً لي بهذا الخاتم بحسب شريعة موسى” وغيرها من وعود الزواج المنصوص عليها في الأديان السماوية وغير السماوية وكذلك وعود الزواج غير الدينية من الأصل، يخبرنا الزواج أنه منظومة تحظى بهالة من الحتمية الدينية وكذلك الضرورة المدنية ولو كانت علمانية.

لكن العالم يتغير، والزواج جزء أصيل من هذا العالم، لذلك فهو يتغير. المؤشرات تقول إن المنظومة تسللت إليها أفكار جديدة، وطالتها ما طال البشرية من تقلبات وانقلابات، كما نال منها ما نال العلاقات الإنسانية من تحولات وتحورات.

تحورات الزواج

“كوفيد-19” وتحوراته ألقت بظلال ثقيلة على ملايين الزيجات حول العالم. الاحتجاز القسري في البيوت، والتقارب الزائد عن الحدود، والانكشافات والاكتشافات بين الأزواج والزوجات والتي كانت تمضي من دون أن يلحظها أحد في زمن ما قبل الوباء أسهمت في زيادة حالات الطلاق والانفصال والخلافات الزوجية. ولم تسلم علاقات ما يسمى “التعايش”، حيث عائلات وشركاء لكن من دون زواج رسمي، من الآثار النفسية والعصبية التي تسببت فيها ظروف الوباء الضاغطة.

ضغط الوباء خف بعض الشيء، لكن ضغط منظومة الزواج وخضوعها لمراجعات عديدة يتفاقم، وهي المراجعات التي كانت موجودة على مدى سنوات لكن لم يلتفت إليها كثيرون، لا سيما الأجيال المراهقة والشابة حيث الأكبر سناً أكثر تسليماً بالقضاء وأعلى تحملاً للقدر والأقدر على رفع رأيه “اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه”.

جيل الألفية

الأمل في لطف القضاء والرضا بالأمر الواقع مرتبطان تاريخياً ارتباطاً طردياً بعدد سنوات العمر. الأصغر سناً لا يحملون القدر نفسه من ليونة التعامل والإيمان بمنطقية قبول أو تحمل أو حتى القيام بعمل ما لمجرد أن الأولين قاموا به منذ قرون.

مؤشرات بحثية تقول إن جيل الألفية ماض قدماً، لا في اتباع خطى الأولين، بل في صناعة تاريخ جديد لمنظومة الزواج يرتكز على كلمة “لا” وليس “نعم” المرتبطة بقبول فلان زوجاً أو فلانة زوجة.

جيل الألفية المولود بين عامي 1981 و1996 يسير بسرعة الصاروخ نحو ما يعرف بـ”السقوط الحر” بحسب تقرير صادر عن “مركز بيو للبحوث”. التقرير يقول إن أبناء جيل الألفية الأكبر سناً في الولايات المتحدة الأميركية يكونون أسراً بوتيرة أبطأ كثيراً من الأجيال التي سبقتهم، وأن أكثر من أربعة بين كل 10 لا يعيشون مع أسرة خاصة بهم. ويشار إلى أن تكوين أسر خاصة لا يعني بالضرورة الزواج الرسمي، لكن العيش مع شريك(ة) دائم وأبناء، كما اتضح أن ما يزيد على نصف أبناء وبنات جيل الألفية غير متزوج، ومن تزوج بينهم أقدم على ذلك في سن متقدمة مقارنة بالأجيال التي سبقتهم. كانت نسبة المتزوجين بين جيل “إكس” المولود بين منتصف الستينيات وعام 1980 نحو 53 في المئة، ونحو 61 في المئة بين جيل “طفرة المواليد” أو “بومرز” المولود بين عامي 1946 و1964، ونحو 81 في المئة بين “الجيل الصامت” المولود بين عامي 1928 و1945.

الاضمحلال المتسارع

في بريطانيا، أصدر “معهد دراسات المجتمع المدني” (سيفيتاس) قبل أيام قليلة تقريراً حذر فيه من خطر اندثار منظومة الزواج في بريطانيا، داعياً الحكومة البريطانية إلى التفكير في تقديم حوافز ضريبية للشباب بغرض إنقاذ الزواج من “الاضمحلال المتسارع” للمنظومة.

وتوقع التقرير “المقلق” أن يقبل شريكان من بين كل 400 شريك وشريكة على الزواج سنوياً بقدوم عام 2062. وكان عام 2021 هو العام الأول الذي يشهد زيادة عدد المواليد المولودين في علاقات غير موثقة بالزواج مقارنة بمواليد الزيجات. وعلى رغم تلك الأرقام “المزعجة” فإن تقرير “سيفيتاس” أشار إلى أن الزواج لن يموت، لكن قد يتحول إلى منظومة “عفا عليها الزمن”

70 حالة طلاق يوميا… أركان مؤسسة “الزواج” تتداعى في الأردن
المتابع لأوضاع الزواج يعرف أن منظومته وقيمته تتعرض لكثير من التغيرات وإعادة التعريف وتحول المكانة في عديد من المجتمعات الغربية منذ عقود. دراسة عنوانها “المشهد المتغير للحب والزواج” (2010) للمؤلفين كاثلين هال وآن ماير وتموثي أورتيل تشير إلى أن منظومة الزواج تخضع لعديد من التغيرات في الدول الغربية. وتستعرض الدراسة نظريتين مختلفتين لكن مترابطتان عن الزواج لعالمي اجتماع بريطاني وأميركي. الأول وهو أنطوني غيدينز قال إن المجتمعات الغربية المعاصرة تشهد تحولاً جذرياً في العلاقات، إذ جرى استبدال بنموذج الحب الرومانسي الذي يؤكد استمرارية العلاقة المتمثلة في “حتى يفرقنا الموت” وأدوار الجنسين التي تكمل بعضها بعضاً، بنموذج أطلق عليه اسم “الحب المتضافر”، هذا النموذج يظل قائماً طالما الشريكان يحصلان على الرضا الكافي منها، ولكن يبقى احتمال الانفصال دائماً قائماً. ويرى غيدينز أن صعود نجم هذا النموذج جاء نتيجة طبيعية للحداثة والعولمة، إذ فقدت الأسرة والتقاليد الدينية تأثيرها، فصاغ الناس سيرهم الذاتية من خلال خيارات فردية جداً غالبها قائم على إعلاء قيمة الاستقلالية، بما في ذلك اختيار الشريك ونوع العلاقة، حتى لو كان ذلك يعني درجة شعور بالأمان أقل.

ضياع هيبة الزواج

في المقابل، يرى عالم الاجتماع الأميركي أندرو تشيرلين أن الزواج في المجتمعات الغربية تم نزع الطابع المؤسسي عنه. وكانت النتيجة أن الناس حالياً يحظون بقدر أكبر من الحرية في اختيارات الزواج وتوقيته وشكله من عدمه. ويرى أن عوامل مثل انتشار الإنجاب خارج الزواج، وتغيير الشكل النمطي والتقليدي الخاص بالأعمال المنزلية ومن يقوم بها، إضافة إلى انتشار أشكال الزواج غير التقليدي القائم على رجل وامرأة، جميعها أسهم في انتفاء سمة المنظومة عن الزواج بشكل كبير.

ويضيف أن الزواج لم يعد يحظى بالهيبة ذاتها التي كانت تحول إلى حد ما دون سهولة وسرعة حدوث الطلاق. ولا يتوقع تشيرلين أن تعود هيبة الزواج، لكنه سيستمر كشكل مهم من أشكال العلاقة، من دون أن يكون مهيمناً. وربما يستمر الزواج في التلاشي ليصبح عنصراً في الخلفية كأحد خيارات العلاقة بين الشركاء.

أما أسباب الهزة العنيفة التي لحقت بالمنظومة إضافة إلى الحداثة والعولمة فكثيرة. وتتعدد التفسيرات النابعة من استطلاعات ودراسات تجرى بين الأجيال الأصغر سناً بين أثر الجندر والأدوار التي لم تعد تقتصر على جنس الشخص، والاستقلالية المادية للإناث، وحالات الطلاق أو الانفصال أو الزيجات التعيسة للأهل، وشيوع أخبار المشاهير الذين يتزوجون وينفصلون ويذهبون إلى المحاكم ويخونون ويعودون إلى الشركاء ثم ينفصلون مجدداً.

العبور الكبير

الانفصال عن العالم الخارجي أمر لم يعد وارداً في العقد الثالث من الألفية الثالثة. على رغم الاختلاف الكبير في الثقافات والأعراف والمعتقدات وحجم الضغوط المجتمعية، إلا أن الحدود لا تقف دون عبور التأثير.

منظومة الزواج في المجتمعات العربية ليست في أفضل حالاتها. وعلى رغم استمرار اعتبار الزواج هو التطور الطبيعي للبشر، سواء كونه “سترة البنات” أو “نصف الدين” أو “فرملة وتحجيم النشاط الجنسي للذكور” أو غيرها، فإن الزواج -أو في الأقل ما يسمح بقوله على الملأ- هو حسن الختام والمآل.

“انتحار فتاة بعد إجبار أهلها لها على الزواج من خطيبها”، “انتحار شابة بسبب محاصرتها بلفظ عانس”، “محاولة فتاة الانتحار بسبب تشويه سمعتها لمجرد رفضها الزواج”، وغيرها من الأخبار الواردة من صفحات الحوادث باب “الزواج” تلقي ضوءاً واضحاً على حجم الضغط الذي يتم بذله في عديد من المجتمعات العربية، لا سيما على الإناث، من أجل الزواج.

ضغط العادات

الضغط المجتمعي ليس ناتجاً عن فراغ. العادات والتقاليد السارية تؤكد أن الأصل في المجتمع هو الزواج وليس عدمه. هذه العادات تجبر أشخاصاً على الزواج لمجرد التخلص من هذا الصداع. وربما تدفع آخرين إلى الزواج باعتباره خطوة نحو الطلاق، ومن ثم الحصول على الاستقلال.

الجانب الأكبر من تكوين الأفراد يكمن في البيئة التي ينشأون فيها، فإذا كانت بيئة حاضنة للزواج باعتباره خطوة لا فرار منها بعد البلوغ (وربما قبله) ثم التعليم (وربما من دونه)، وتعتبر الفرد ناقصاً (لا سيما لو كان أنثى) في حال لم يكن متزوجاً، فإن احتمال تشبع الأفراد بهذه الأفكار هو الغالب.

ويضاف إلى ذلك العامل الديني بالغ القوة حيث مناهج الدراسة وبرامج التلفزيون وخطبة المسجد وعظة الكنيسة ورسالة الفيلم ومضمون المسلسل، وجميعها يتعامل مع الزواج باعتباره “إكمالاً لنصف الدين” الذي يبقى ناقصاً طالما الشخص لم يتزوج، أو “ليس جيداً أن يكون آدم وحده” أو غيرهما من رسائل إضفاء السمة الدينية على المنظومة، وهو ما يعضد منها ويجعلها فرضاً وأمراً، وغير الممتثل لها أقرب ما يكون إلى العاصي أو الآثم.

لكن على رغم ذلك فإن مؤشرات عدة تؤكد أن فكرة الزواج تتعرض لهزة عنيفة، وإن كانت كامنة، لا سيما بين فئات وطبقات اجتماعية واقتصادية تسكن منتصف الهرم وما فوق. بين الحين والآخر يعلو صوت في دوائر ثقافية أو اجتماعية مغلقة يجاهر بغضب من الربط الشرطي بين أن يكون الإنسان -لا سيما الإنسانة- كاملاً ومتحققاً وناجحاً وسعيداً وفي الوقت نفسه متزوجاً، لكنها تظل أصوات تنعت تارة بـ”المتحررة” على سبيل السب وأخرى بـ”المتهورة” من باب الدعاء بالهداية.

ارتفاع السن

بلغة الأرقام في مصر مثلاً، تشير الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في الفترة من 2010 إلى 2019 إلى ارتفاع متوسط سن الزواج للذكور من 28.7 عام في 2010 إلى 30.6 عام في 2019، والإناث من 23.8 عام في 2010 إلى 24.9 عام في 2019.

ارتفاع متوسط سن الزواج يمكن تفسيره في ضوء نظريات عديدة أكثرها كلاسيكية، منها الضغوط الاقتصادية والمبالغة في طلبات الزواج، لا سيما من أسرة العروس، وكذلك ارتفاع مستوى تعليم فئة من الشابات والإصرار على الحصول على إنجاز الدراسات العليا، لكن في الوقت نفسه فإن النجاح المتحقق لأعداد متزايدة من الشابات في مجال العمل وتحقيق الذات من العوامل التي تؤدي إلى إعادة النظر في أهمية الزواج، مقارنة بالنجاح في العمل والاستقلالية المادية والقدرة على السفر والتنقل من دون قيود وغيرها.

الصمود والتحدي

القدرة على الصمود في وجه “متى نفرح بك؟” وتحدي ضغوط “عقبالك” و”أمك تريد أن تطمئن عليك قبل أن تموت”… إلخ، مسألة تتعلق بقدرات الشاب(ة) العربية، إضافة إلى التركيبة الشخصية وأولويات الحياة.

استمرار بزوغ نجم منظومة الزواج في الغلاف الجوي المحيط بالمنطقة العربية، وكذلك الغلاف المحيط بالجاليات العربية في شتى بقاع الأرض، وكذلك ارتفاع نسب طلاق الزيجات العربية (سبع حالات طلاق كل ساعة هو المتوسط العربي بحسب مقال منشور في “إيكونوميست” في سبتمبر “أيلول” 2022) وهو متوسط يفوق حالات الطلاق في أميركا من دون أن يثير ذلك العجب، يعطيان شعوراً كاذباً بأنه لا مساس بوضعية الزواج عربياً.

ارتفاع نسبة الطلاق قد يثير شهية البعض للبحث والتقصي عن الأسباب، وغالباً ما تخرج توليفة اتهامات تدور حول: قلة الشعور بالمسؤولية واستقلالية المرأة الزائدة وقلة الوازع الديني، لكن اجتماعياً يبقى الزواج هدفاً أكثر من كونه وسيلة لشيء ما، ويبقى ضمن قائمة “أعمال يتحتم إنجازها” بغض النظر عن كيفية أو جودة إنجازها أو البحث في سبب الحتمية.

كل ما عليك عمله للتعرف إلى الصورة الذهنية السائدة للزواج في العالم العربي هو كتابة كلمات “الزواج” و”الشباب” و”العربي” وستجد فيضاً من موضوعات ومقالات وخدمات لا تخرج غالبيتها المطلقة عن: الزواج في الإسلام، الزواج في المسيحية، تبرع لتيسير زواج يتيمات، صندوق حكومي لتشجيع زواج الشباب، مناقشة قائمة المنقولات في البرلمان، تشريع جديد لرفع أو خفض سن الزواج، محاضرة عن قيمة الزواج في المجتمع، كتاب جديد عن أهمية الزواج في الأمة، وربما بعضاً من حوادث ومقالات عن انتحار بسبب زيجة فاشلة أو حب لم يكلل بزواج أو إجبار على زواج أو تنمر بسبب عدم زواج.

“عدم الزواج” ما زالت عبارة تثير الاستهجان والاستغراب، لكن لا الاستهجان أو الاستغراب كفيل بالوقوف في وجه أفكار تنمو واختيارات تتخذ لدى قطاع من الشباب العربي، لكنه ما زال محدوداً وشبه قاصر على الطبقات العليا القادرة على مقاومة أعراف المجتمع من دون وصمة، والقادرة كذلك على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته بناءً على عوامل متوافرة مثل النجاح في العمل والاستقلال المادي والسفر وغيرها.

“عصر العزوبية” ينظر إليه غالب العرب برعب ووجل، لكن قطاعاً آخر يصبو إليه ويختاره عن حب واقتناع حتى يفرق بينهما الموت أو الزواج.

إندبندنت عربية


مصدر الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى