السياسة السودانية

السودان يترنح على وقع اقتصاد الحرب.. أسواق منهوبة ومصانع مدمرة وعمال مفلسون

 

الخرطوم 27 أغسطس 2023- بوجوه كالحة يكافح سكان الخرطوم المتبقين فيها لإيجاد الطعام وماء يسدان الرمق، وسط زخات الرصاص ودوي المدافع والضربات الصاروخية للطيران الحربي وانتهاكات واسعة يتعرضون لها على يد العسكريين.

تخرج  ليلى عمسيب، أم لثلاثة أطفال من منزلها بعد صلاة الفجر مباشرة بضاحية مايو جنوبي الخرطوم، للعثور على بعض الماء والخبز  لاسكات جوع صغارها.

تؤكد عمسيب أنها تخرج بلا خطة أو هدف تهيم على وجهها وهي مفلسة تماماً لكنها تدعو الله قبل خروجها لتسهيل أمرها – حسب قولها – غالباً ما تجد بعض الطعام الذي يمنحه لها أحد السكان الموجودين على مسافات بعيدة من منزلها أو في أحياء مجاورة.

وتضيف أنها تقوم برحلة بحث يومي عن الطعام والماء تستغرق في بعض الأحيان عدة ساعات تقطع عشرات الكيلومترات مروراً بمواقع ارتكازات الجيش أو الدعم السريع.

” أفلسوا تماماً”
بعد دخول الحرب شهرها الخامس بات غاز الطهي من الترف بحسب إثنين من السكان في حي السامراب شمال مدينة الخرطوم بحري تحدثا لـ سودان تربيون.

وقال أحمد عماد الدين، إن أغلب الأسر أفلست تماماً ولجأت إلى الفحم أو بعض الخشب القديم لطهي الطعام بعد أشهر طويلة من القتال بين الجيش والدعم السريع “اوقف حال البلد” بحسب قوله.

ويذكر جاره عارف الطاهر حسنين، أن الوضع الكارثي الذي خلفته الحرب لا يضع أي آمال في عودة الحياة كما كانت بعد الدمار الهائل الذي تعرضت له العاصمة وتدمير المصانع والمناطق الصناعية ومناطق الإنتاج وتوقف العمل تماماً.

يعمل عارف في مجال البناء المتوقف حالياً وهو مفلس تماماً، ويقوم بالإشراف على صهريج للمياه بالمنطقة وتشغيله ويجد بعض المساعدة من الأسر هناك.

ويضيف: “نسمع بوصول بمساعدات من الخارج بآلاف الأطنان لكن لم يصلنا منها شئ ولا حتى حبة أرز”.

توقفت نحو 71% من المحال التجارية في العاصمة بسبب الحرب حسب عضو سابق في غرفة التجارة، قال في حديثه لسودان تربيون، إنّ توقف الانتاج والمصانع والحرب تسببت في إغلاق تلك المتاجر.

وذكر أحمد ذو النون، أنّ المتاجر التي تعمل حالياً تقع في مناطق سيطرة أحد طرفي النزاع فقط وليس هناك ضمانات لاستمرار عملها وفق الحركة الميدانية والهجمات الحربية للقوات.

وقال إنّ آلاف التجار بالخرطوم أفلسوا تماماً بسبب فقدان مصدر رزقهم ودخلهم أو بضائعهم أو محالهم التي تعرضت للنهب والسرقة بالكامل.

وتعرضت أكبر الأسواق في ولاية الخرطوم إما للحرق أو النهب وأحيانا الإثنين معا مثل سوق المحطة الوسطى وسعد قشرة بالخرطوم بحري وسوق أم درمان والسوقين العربي والافرنجي والشعبي بالخرطوم.

توقف الرواتب
وتوقفت الحكومة التي تم تشكيلها بعد انقلاب قائد الجيش في 25 أكتوبر 2021 عن دفع الرواتب بعد اندلاع الحرب منتصف أبريل الفائت.

وكشفت لجنة المعلمين في بيان الأسبوع الماضي، عن عدم تلقي المعلمين للرواتب في نحو 12 ولاية بجانب ولاية الخرطوم.

وكشفت دراسة بحثية حديثة صادرة عن البنك الدولي بشأن الاستدانة في القارة الأفريقية اطلعت عليها سودان تربيون أن تصاعد الأزمة في أوكرانيا أثر على قدرة البلدان الإفريقية على سداد مديونياتها وتسببت في مشكلات مالية هيكلية في 22 دولة أفريقية هي الأقل دخلا على الإطلاق في جنوب الصحراء الكبرى، لا سيما الدول المستدينة من الصين.

وأشارت الدراسة إلى أن أفريقيا كانت وجهة فعلية لنسبة 12% من عمليات الإقراض الدولي الصينية للقطاعين الخاص والعام، وأن إجمالي القروض الصينية لدول القارة السمراء قد تضاعف لنحو خمسة أضعافه في الفترة من 2000 حتى عام 2020 إلى 696 مليار دولار.
وحل السودان، وفقاً للدراسة في الترتيب السابع لأعلى الدول المستدينة من الصين بإجمالى 6.169 مليار دولار.
مخاطر الإفلاس.

وقبل أيام حذر تقرير حديث صادر عن إنترريغونال للتحليلات الاستراتيجية من أخطار استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً إلى إمكان تعرض نحو 23 دولة أفريقية للإفلاس مع تفاقم أزمة الديون السيادية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي لسودان تربيون أنّ الاقتصاد السوداني يسير من سيء إلى أسوأ، بسبب غياب الحل السياسي بفعل تعنت الاحزاب السياسية واستمرار العقوبات الأميركية والأوروبية المعلنة وغير المعلنة، وكبحها لأي تقارب اقتصادي وسياسي.
ويرى فتحى، أنّ “أي تحسن في الاقتصاد السوداني بعد الحرب في الخرطوم مرتبط بمدى الانفتاح الخارجي إقليمياً ودولياً”.

وأكد في الوقت نفسه، أن الاقتصاد السوداني شهّد ارتفاعا حادا في مستويات المخاطر عموما وازدادت صعوبة المفاضلة بين السياسات الاقتصادية.

كما نبه إلى أن اقتصاد البلاد، تعرض إلى تشديد في الأوضاع المالية، وكانت إجراءات إعادة التسعير متوازنة في معظم الأحوال حتى الآن.

وتابع قائلا: “غير بعض مخاطر الهشاشة المالية التي لا تزال حاضرة، مما يزيد من احتمالات التشديد الحاد للأوضاع المالية مع خروج التدفقات الرأسمالية، ويشهد الاقتصاد السوداني منذ 2018 تراجعاً قياسياً نتيجة عدم الاستقرار السياسي والأمني وبالتالي الاقتصادي”.

واعتبر فتحي، أنّ الحرب الدائرة اليوم بالخرطوم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وبخلاف التداعيات الإنسانية المباشرة والفادحة للحرب عموماً، فإنها ستؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي ورفع معدلات التضخم.

ونوه في ذات الأثناء إلى أنّ إفلاس الدول يحدث عندما تجتمع عدة أزمات مع بعضها البعض، وهي عجز الدولة عن سداد أقساط قروضها لعدم توافر الأموال، وعجزها عن سداد قيمة وارداتها من السلع والخدمات، والفشل في دفع رواتب الموظفين، والعجز عن السيطرة على العملة المحلية وفقدان الاحتياطيات الأجنبية الضرورية.

في المقابل، كشف الخبير المصرفي عبد العظيم الأموي في تغريدة على منصة “إكس” عن الآثار الاقتصادية المدمرة للحرب بين الجيش والدعم السريع المستمرة للشهر الخامس، متوقعاً تراجع الإيرادات بنسبة 70 في المائة في حال استمرار الحرب.

وقال الأموي، إن تكلفة تمويل واردات الوقود ارتفعت في اليوم الأول من الحرب بنسبة 15 في المائة، كما ارتفعت تكلفة تأمين البواخر بنحو 5 في المائة بينما بلغت غرامات التأخير في التفريغ إلى 1.5 دولار في الطن يومياً.

وأشار الأموي إلى تعرض القطاع الصناعي الذي يمثل 21 في المائة من الاقتصاد إلى التخريب الكامل مبيناً إن 85 في المائة من المصانع السودانية تقع بولاية الخرطوم وتعرضت لتدمير البنية الصناعية التحتية بالكامل.

وتوقع تصاعدا في مخاطر الأمن الغذائي بسبب خروج معظم الأراضي الزراعية في دارفور عن الإنتاج خلال الموسم الحالي نتيجة الحرب وتراجع المساحات المزروعة في بقية الولايات.

وقال إن تحويلات المغتربين اتجهت إلى مناطق تجمعات السودانيين في الخارج مثل مصر وإثيوبيا وتشاد، مبيناً إن حجم تحويلات المغتربين في الفترة من أبريل إلى أكتوبر من العام 2021 بلغت حوالي 800 مليون دولار.

وأشار إلى اشكاليات في قطاع الذهب تتعلق بالتأمين والترحيل من مناطق الإنتاج بجانب الترحيل إلى الخارج بسبب توقف الرحلات الجوية.

ونبه إلى تعرض مصفاة الذهب للتخريب مما يؤدي إلى تصدير الذهب كخام ويهدر موارد البلاد.

وقال إن 33 في المائة من الإيرادات موجه إلى تعويضات العاملين بالدولة الذين تبلغ نسبتهم 15 في المائة من مجموع السكان، وإن تقديرات الإيرادات في الموازنة للعام الجاري تبلغ 7 ترليونات جنيه متوقعاً عدم قدرة الحكومة على جمع 30 في المائة من المبلغ حال استمرار الحرب وقال إن العاملين بالدولة ظلوا بلا رواتب منذ 5 أشهر.


المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى