السياسة السودانية

فتاة الأحلام العابثة .. عبارة ليست فقط مهينة لكن خطيرة أيضاً

لست كالفتيات الأخريات. ولا أعني بذلك أنني أفضل رفقة الرجال لأنهم “أقل تعقيداً”، أو أنني “قليلة المتطلبات” في أي علاقة [شخصية]، أو أنني أجد متعة في كوني “الفتاة الجذابة” أو تلك التي تنسق حذاءً “كونفرس” Converse الرياضي مع فساتين رسمية.

عندما أقول إنني لست كالفتيات الأخريات، أحيل إلى كوني مصابة بالتوحد وباضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD – وهو تشخيص يحصد اليوم أضواءً (باستمرار)، بعد أن بث برنامج “بانوراما” فيلماً وثائقياً بعنوان: “فضح عيادات خاصة تعالج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه” Private ADHD Clinics Exposed.

وفي حالتي أنا، يعني اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أنني لا أزال أواجه، وفي سن الـ25، صعوبات في الكتابة، أو في استعمال شوكة وسكين، أو في تناول أي أطباق غير المأكولات الثلاثة عديمة اللون التي أعتبرها “آمنة”. ويعني أيضاً أنه يصعب عليّ النظر في عيون الناس بشكل متواصل أو التلاعب بنبرة صوتي. وإن صدر صوت مزعج لدراجة نارية أو جرس إنذار حريق، فسيفسد علي يومي، وفي حال اضطررت إلى المشاركة في مناسبتين اجتماعيتين على التوالي، أحتاج إلى عزل نفسي في غرفتي لثلاثة أيام، وإلى اختصار الكلام إلى أقصى حدود ممكنة [جسدياً] كي “أتعافى”. لكن ذلك أقل إثارة بكثير من مصطلح “إنني مختلفة عن الفتيات الأخريات”.
لم يلق وجود تنوع عصبي لدى النساء اعترافاً إلا في السنوات القليلة الماضية، فما بالكم بدراسته. لكن المؤكد أننا ندرك أمرين: أولهما أن الصفات المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والتوحد، غالباً ما تتجسد بطريقة مختلفة لدى اللواتي يولدن إناثاً [من ناحية جنس الطفل وليس هويته الجندرية]، بالمقارنة مع الذين يولدون ذكوراً.

أما الأمر الثاني، فهو وجود شرخ هائل بين الذكور والإناث على صعيد تقييم هذه الحالات. ففي السنوات القليلة الماضية خصوصاً، رأينا نساء وإناثاً بالولادة يحصلن على تشخيص عند بلوغهن سن الرشد، بعد تجاهل حالتهن طوال العمر.

بيد أن التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يكتسبان زخماً في الأوساط النسائية، ويتزايد الإدراك بأن التنوع العصبي [مصطلح مقترح يجادل بوجود تنوع جوهري في وظائف الدماغ البشري والإدراك، وأن بعض الأشياء المصنفة حالياً على أنها اضطرابات نمو عصبي هي اختلافات وإعاقات ولكنها ليست بالضرورة مرضية] لدى الإناث على صلة وثيقة بظاهرة كره النساء. فلو ظهرت أعراض التوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى صبي صغير، لقبه الآخرون بـ”النابغة المعذب”، أو نظروا إليه على أنه فتى شقي يذكر بتوم سوير، ولا يمكن إلا أن يحبوه. لكن إن كان الوضع مماثلاً لدى فتاة صغيرة، فستكون “غريبة الأطوار” وحسب. بالتالي، لن يكون وضعها مقبولاً، لأن المجتمع ليس مبنياً بطريقة قادرة على استيعاب النساء المختلفات، بما أننا مبرمجون، من دون أن ندرك ذلك حتى، لنحتل مساحة أضيق من الرجال.

بهذه الطريقة، يمضي أمثالي سنوات على إخفاء أعراض التنوع العصبي أو طمسها، ما يضعنا ضمن حلقة مفرغة، لا نحصل فيها على التشخيص الذي يلزمنا إلا في مرحلة لاحقة من حياتنا. وحتى في ذلك الحين، سنواجه عراقيل من بينها كره النساء في الأوساط الطبية، حيث لا يظهر الأطباء الذكور ميلاً كبيراً لتصديقنا. وقد لا يكون الأمر مفاجئاً، لو فكرنا في أن إطار التنوع العصبي الوحيد الذي عملوا ضمنه رجح كفته بشدة نحو الذكور، فقط لأنهم لا يواجهون الضغوط عينها التي ترزح تحتها النساء، وبالتالي ليسوا مرغمين على التخفي.

لكن الأمور الآن تحسنت، أليس كذلك؟ هل زاد حضور النساء المتنوعات عصبياً وبات عدد كبير منا قادراً على إظهار أعراض التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بحرية؟ في الواقع لا. ليس تماماً.

في حالتي أنا، بدأت الأمور تتبلور عندما قرأت مذكرات فيرن برادي، بعنوان “شخصية المرأة القوية” Strong Female Character، حيث روت هذه الممثلة، التي كشف تشخيص في كبرها إصابتها بالتوحد، كيف تجاهل طبيب ذكر تشخيصها بالتوحد بحجة أنه سبق لها أن واعدت شباناً.

وكتبت “إما أنه اعتقد أن جميع الأشخاص المتوحدين هم عبارة عن وحوش مخيفة تفتقر إلى الجاذبية ولا يهمها تطوير علاقات وطيدة، أو اعتقد عن طريق الخطأ أن الرجال الذين واعدتهم استطاعوا ملاحظة توحدي بدلاً من النظر إلي من منطلق “فتاة الأحلام العابثة”. وسردت برادي بالتفصيل كيف وصفها رجل مرة بأنها “غريبة أطوار مبهرة”، فعرفت “بالفطرة” أن ذلك جيد، لأن الجانب المبهر كان سيزيل أي انزعاج محتمل قد يكون مرتبطاً بغرابة الأطوار”.

عندما قرأت هذه السطور، لم يسعني إلا التطلع إلى الماضي والتفكير في حياتي الخاصة، وفي الطريقة المحددة التي نزعت فيها القناع عن نفسي، وإلى أي مدى كان توحدي “المكشوف للعلن” محكوماً بنمط كره النساء نفسه. ففي سنواتي الجامعية وفي الصفين الأخيرين من دراستي في المدرسة الثانوية، استمتعت بكوني “الغريبة”، واستمتعت أيضاً بالاعتراف الذي قابلته. وكنت صريحة أيضاً حول كوني متنوعة عصبياً، لكنني كنت أعي، بموازاة ذلك، أهمية إيصال الرسالة حول تنوعي العصبي بطريقة محددة جداً، وهي أن أكون واضحة وصريحة، وأن أطلق بعض الملاحظات غير الاعتيادية أو النكات الخارجة عن المألوف، لكن فقط بطريقة عرفت أنها ستكون محببة.

واعتقدت بذلك أنني أحرر نفسي، وأمنح نفسي إذناً بأن أخرج “إلى العلن” أكثر بقليل من قبل. لكن الحقيقة هي أنني كنت أتخفى بزخم مماثل لما كنت أفعله في السنوات التي أمضيتها في المدرسة، حيث اعتبروني فتاة هادئة إلى حد الغرابة. وبقيت أخشى أن ينظر إليّ الآخرون على أنني “مختلفة” أو “منبوذة”، وبدلاً من تمثيل دور الفتاة المصابة بالتوحد، انتقلت إلى تمثيل دور الفتاة المصابة بنسخة رومانسية جداً ومنقاة من التوحد – وكنت أعرف، في قرارة نفسي، أنها ستنال قبولاً مجتمعياً، وتكون مكافأتي بأن أكون مقبولة من الآخرين”.

كم صعب علي تقبل الفكرة بأنني مثلت دور “فتاة الأحلام العابثة” النمطي. لكنني سرعان ما أدركت أنني لم أكن الوحيدة [في هذا الوضع]. فإلى جانب كتاب فيرن برادي، اكتشفت عدداً من فيديوهات “تيك توك” كثيرة الانتشار، التي حصد كل منها ملايين المشاهدات، عن نساء متنوعات عصبياً، يمزحن ويشاركن تجربتهن حول طريقة تفسير الرجال للتوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، باعتباره جزءاً من شخصية “فتاة الأحلام العابثة” التي تلبس ثياباً غير متناسقة وتطلق عبارات آسرة مضحكة. وكانوا بالتالي يتجاهلون جوانب من التنوع العصبي لا يمكن تقبلها بالسهولة نفسها.

أدركت في تلك اللحظة أنها مشكلة شاملة ومثال آخر على أن النساء المتنوعات عصبياً يتمسكن فطرياً بالحاجة الدائمة إلى التمثيل. فإن كانت النساء المتنوعات عصبياً “مختلفات عن الفتيات الأخريات”، سيسهل علينا جميعاً الدخول في صورة نمطية، وحصر دورنا بشخصية “فتاة الأحلام العابثة”. لكن ذلك يحصر كياننا بوهم رومانسي ثنائي الأبعاد.

هذا الواقع يجب أن يتغير. وإن كان الوثائقي الذي عرض على برنامج “بانوراما” ليثبت لنا أمراً، فهو أن الأشخاص المتنوعين عصبياً لن يلقوا يوماً قبولاً فعلياً، ولن يستوعبهم المجتمع الأوسع نطاقاً كما نتمنى.

لقد سئمت التقيد بهذه الصورة المثالية المحددة جداً حول ما يبدو عليه التنوع العصبي، لأن الحقيقة تشير إلى أنه في أحيان كثيرة، قد لا يكون التنوع العصبي مثيراً على الإطلاق، وقد يؤدي إلى انهيارات، ونوبات بكاء، وإهمال للذات، وإحباط، أي مجموعة الانفعالات البشرية بأكملها.

ولو كان للنساء المتنوعات عصبياً أي حق بعد هذا الوقت الطويل من التخفي والصمود، فهو الحق بالتصرف على طبيعتهن.

“اندبندت عربية”


مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى