السياسة السودانية

هشام الشواني: نقاط من لقاء علي كرتي

في لقاء الدكتور علي كرتي بالأمس مع الإعلامي الطاهر التوم وجدت ربطا موضوعيا بين آخر أيام نظام الإنقاذ وبين بداية مرحلة مابعد ١١ إبريل، فبعيدا عن القفز السريع نحو نظرية المؤامرة والخيانة سنجد ترابط واضح بين التدهور الذاتي الداخلي والخيار الاقتصادي المتبع في موازنة ٢٠١٨ وبين مآلات حراك ديسمبر. لتأتي لاحقا المؤامرة والخيانة فتحول هذا العامل الداخلي لعامل سقوط -نلاحظ معه أن سبتمبر ٢٠١٣ كانت مسببتاتها قوية لكنها لم تكن كافية للسقوط بسبب تماسك النظام حينها – ملخص هذا الجانب أن العوامل الحاسمة في السقوط كانت عبارة عن فشل إرادة الإصلاح الداخلية وعوامل خارجية حفزت موقف اللجنة الأمنية في التغيير.

يظهر علي كرتي بهذا التحليل فهما عميقا لحركة التاريخ وتصالح نفسي كبير مع الشروط والأحداث، لكنه كذلك يظهر إنحيازا ضروريا لأمرين إثنين هما الأكثر أهمية وأصالة في جوهر الحركة الإسلامية السودانية:

١-الأمر الأول التركيز على الدولة الوطنية السودانية ضد مخططات حصارها وتدميرها. وقد كان مدخله للتعبير عن هذا الأمر مدخل لشخص درب على الجهاز التنفيذي للدولة، وعرف كذلك الجهاز العسكري والأمني للدولة. وبالتالي فما اتسمت به مرحلة ما بعد ١١ إبريل من مهددات كانت تنبع من عداء لمؤسسات الدولة متجذر في ذهنية المعارضة السودانية غير الحكيمة وغير الوطنية، فالثقافة السياسية للمعارضة السودانية في غالبها ثقافة تجعلها في عداء حتمي مع الدولة السودانية بذات طريقة بعض القوى الغربية والإقليمية المعادية، وتلك ثقافة لا تميز بين معارضة الإسلاميين وبين معارضة الدولة نفسها.

٢- الأمر الثاني التركيز على الحركة الإسلامية ومشروعها بكل أبعاده القيمية والحضارية والوطنية، فلقد أظهر كرتي هذا الانحياز مع وعي تاريخي سليم بضرورة تحقيق الاستجابة المناسبة والتغيير المطلوب. ولقد قدم ذلك بروح عالية وثقة في النفس وصبر وجلد يحسد عليه.

تحدث علي كرتي في هذا اللقاء حديثا طيبا ومتعقلا ووطنيا بخصوص مؤسسة القوات المسلحة. وهنا تظهر الشفرة الوطنية المتطابقة بين مشروع الإسلاميين وبين قومية الدولة السودانية ووحدة ترابها الوطني.

من الجوانب الفريدة والتي سيذكرها التاريخ تلك الاستجابة الراشدة والحكيمة من حزب المؤتمر الوطني وقيادته، فبعد إزاحة تامة حدثت بعد ١١ إبريل وبكل ما فيها من تبعات نفسية ومعنوية جاء رد الفعل هادئا متعقلا ومتريثا، يميز بين الخصوم الذين صعدوا بعد الثورة وبين مؤسسات الدولة وضرورة استقرارها، فتم النظر لما بعد ١١ إبريل بطريقة تفتح الباب للمصالحة الشاملة والتي قد تفضي لتدرج إصلاحي على أسس وطنية، وكما تعلمون فقد ضاعت فرصة المصالحة بطفوليات (قحت) وبغبائها العميق في أحلام حاقدة حول الحسم والإبعاد التام والموت المحقق للإسلاميين، وتلك أوهام تخص المعارضة السودانية منذ مؤتمر أسمرا ١٩٩٥ حتى اليوم وقد تم فرضها على مخيال ثورة ديسمبر.

تطرق اللقاء لجوانب علاقة حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ولقد لمحت عند الدكتور علي كرتي شعور بضرورة خلق تنظير جديد لبداية مرحلة جديدة، ورغبة في البناء الجبهوي بتحالف واسع مع تركيز على نواة بناء تنظيم إسلامي صلب، هذه أجندة تهم كل المنتمين للتيار الإسلامي ولا يمكن تحقيق إجابات عليها إلا بعمل جماعي وممارسة تصوب نظرها نحو المستقبل وتفهم شروط الواقع جيدا. ولقد لمحت كذلك عن الدكتور علي كرتي تصالحا مع الماضي وتجاوزا لمافيه من أمور زائلة. فالنظر للماضي لا يتم ببعث صراعات قديمة بل يتم من أجل فهم ما هو أصيل وجوهري وما ينفع الناس وتمحيصه عما هو شخصي وزائل فيذهب كزبد البحر.

هشام الشواني


مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى