السياسة السودانية

محمد عبد الماجد يكتب: (المدنية) المفترى عليها

(1)

اكبر عمل تم من اجل القضاء على (المدنية) والانتهاء منها، هو (التشويه) المتعمد الذي قصدت به (المدنية) ليظهروها في ثوب بغيض، ويقدموها برائحة نتنة، ويرجعوا اليها كل اشكال الفوضى والتفلتات والخراب السياسي والمجتمعي الذي يصيب البلاد فينسب اليها بغير ذنب اغترفته سوى ظنهم فيها.
بل ان هناك اصوات وتيارات وتكتلات مجتمعية تعتبر ان (المدنية) هي الكفر والإلحاد والفسوق.
هزمنا (المدنية) من خلال تشويهنا لها وإظهارها في شكل يرفضه المجتمع السوداني و(المدنية) بريئة عن هذا السوء الذي يروج عنها.
هناك من يعتقد ان (المدنية) هي الفوضى وهي عدم الالتزام بالقوانين واللوائح، الكثير من الجهات التى ترفض (المدنية) وتحاربها لمعتقدات غير صحيحة عنها روجوا لهذه الانطباعات المسيئة للمدنية بقصد او بغير قصد من اجل ان يجعلوا المجتمع السوداني ينفر عنها ويشعر نحوها بالكراهية وعدم الامان والطمأنينة.
هنالك معتقدات خاطئة عن (المدنية) استغلها اعداؤها في الترويج ضدها والقضاء عليها لتظهر (المدنية) بشكل يرفضه المجتمع السوداني.
نحن الذين هزمنا (المدنية) وجعلناها تتراجع وتنحسر وليس العسكر او الفلول، الخطر الاول على (المدنية) هي تلك الانطباعات التى تروج عنها.
لا اقول ان العسكر والفلول لا اسهم لهم في الحرب على المدنية، فهم الاكثر استفادة من تلك (الانطباعات) التى تطلق على (المدنية) ويساعدون هم بقدر كبير فيها ويمهدون لها ويخططون لاغتيالها بذلك الاسلوب الذي يمثل سلاحهم الاقوى للقضاء على (المدنية) ونشاركهم نحن في الصمت على هذا التشويه (المتعمد) للمدنية.
ان لم نصحح المفاهيم التى تروج عن سوء المدنية وعن فوضويتها وتفلتاتها لن تنتصر المدنية ولن يكون لها الغلبة.
نحن في حاجة الى تبديل تلك الثقافة التى تخصم من المدنية. في حاجة الى ان ننشر فضائل المدنية ومحاسنها، فالمدنية تعني دولة المؤسسات والعدل والقانون والسلام والحرية.
المدنية تعني ان يمنح كل ذي حق حقه .. وان نعيد لأهل الاختصاص حقهم في العمل والإدارة.
المدنية هي التى تمنحنا (جيشاً) بعيداً عن السياسة وشرطة وقضاءً ينفذون القانون بلا استثناء.
جيش قومي موحد وقوي وشرطة نافذة ومقتدرة لا تكون إلّا في ظل الحكومة المدنية.
اكثر الذين تضرروا من الحكومات العسكرية هم الجيش والشرطة والقضاء. السلطة المدنية تعني عودة الثقة في القوات النظامية كافة، وفخر الانتماء للجيش والشرطة.
المدنية هي اقتصاد بلا فساد واستثمار بلا محسوبية.
في المدنية يبقى التميز لمن هو اكثر قدرة وعلماً وخبرة وموهبة… لا توجد واسطة ولا جهوية ولا حزبية في الدولة المدنية. الاشتراطات والمعايير كلها مرتبطة بقوالب علمية ومهنية وأكاديمية.
(2)

جميعكم سوف يكون لاحظ ان لم يكن وقتها فالآن الاغتيال الذي كان يتم للمدنية بقصد.. بالسخرية حيناً وبالجد حيناً اخر، فقد حاربوا المدنية بكافة السبل عبر الهزل والجد.
في فترة حكومة حمدوك او في وجوده رئيساً للوزراء رغم اننا كنا ننعم بالحد الادنى من (المدنية) كانت كل الاخطاء وكل المظاهر السالبة ترد على (المدنية).
وكانت عبارة (دي المدنية العايزنها) تسمعها امام كل سوء وفي كل موضوع سلبي تشاهده او تكون جزءاً منه.
اذا كانت هناك امرأة حاسرة الرأس ، مدوا رقابهم نحوها ولم يغضوا البصر وشمروا عن سواعدهم وأشاروا اليها وهم يرددون (دي المدنية العايزنها).
اذا قطع التيار الكهرباء قالوا : (دي المدنية العايزنها) واذا وقع شجار صغير بين طفلين في الشارع قالوا: (دي المدنية العايزنها).
اذا فقد المواطن (هاتفه الجوال) في المواصلات او سقط منه سهواً قالوا :(دي المدنية العايزنها).
اذا اطلت مذيعة في تلفزيون السودان او في أي فضائية سودانية بابتسامة عريضة بعض الشيء قالوا : (دي المدنية العايزنها).
اذا استيقظ طالب من نومه متأخراً بعض الشيء قال له والده وهو غاضب : (دي المدنية العايزنها).
اذا زاد ملح الطعام عن المعقول او كان (الطبيخ) مسيخاً قالوا : (دي المدنية العايزنها)… واذا حملت امرأة شنطتها من بيت زوجها وذهبت لبيت والدها قالوا للزوج : (دي المدنية العايزنها).
في فترة حكومة حمدوك كانوا يحدثوننا على مدار الساعة عن سعر رطل اللبن وسعر الرغيفة وسعر لتر البنزين وكل ذلك كان مقروناً عندهم بـ (دي المدنية العايزنها).. كان سعر ارتفاع كيلو الطماطم مقروناً بـ (دي المدنية العايزنها) وكذلك اللحمة والبصل والعجور.
الآن لا احد يتحدث عن تعرفة المواصلات او سعر رطل اللبن. لا احد يتحدث عن قطوعات الكهرباء او اغلاق الجسور او التفلتات الامنية – كل هذه الاشياء تقع على قلبهم مثل (العسل).
في حكومة حمدوك الاولى كانت هنالك حملات منظمة وممنهجة لتشويه (المدنية) والنيل منها فقد كان سلاح الفلول الاول هو تشويه المدنية. اما العسكر فقد كانوا يعتقدون ان الحكومة المدنية تعني زوالهم من الوجود، لذلك كان قتالهم ضد المدنية قتالاً من اجل الوجود.. من اجل الحياة . تبادل الفلول والعسكر (مصالحهم) و (منافعهم) في القضاء على (المدنية).
(3)

بغم
اذا لم نفهم (المدنية) بمفهومها الصحيح فلن نطبقها بالشكل الذي ينتفع منه الوطن.
ازمة (المدنية) في السودان ليست هي ازمة (سلطة) وإنما هي ازمة (فهم).
ان طبقت المدنية بشكل صحيح في السودان فان (العسكر) هم اول الذين سوف ينتفعون منها.
وكل الطرق تؤدي الى (المدنية).

صحيفة الانتياهة


مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى