السياسة السودانية

صلاح الدين عووضة يكتب : بانت سعاد!

سعاد الجميلة..

وذات السر الباتع..

وحكى لي قصتها مَن كان يجاورها – أو تجاوره هي – قبل أعوام خلت..

فقد وفدت إلى الحي مع أهلها لتستقر فيه..

فاستقرت في قلب كل أعزبٍ – وكل متزوج – بالحي من شدة جمالها..

فكل شيءٍ فيها كان ذا مفاتن؛ يقول جارها هذا..

بل ويقسم أن إمام المسجد ذاته كان بها معجباً؛ وَقُبض متلبساً بالنظر إليها..

وتحديداً استراق النظر نحوها من الخلف؛ وهي مولية..

فهي ينطبق عليها قول كعب بن زهير:

هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً لا يُشتكى قصرٌ منها ولا طولُ

وذلك في قصيدته الشهيرة بانت سعادُ..

والغريب أن اسمها – الحقيقي – سعاد أيضاً؛ كاسم فتاة الشاعر هذه..

ونقول الحقيقي لأن الحقائق بانت..

ومعنى مفردة بانت هنا يختلف عن الذي ورد في القصيدة..

فهي من أضداد لغة الضاد..

والمعنى الذي نقصده هنا ظهرت… لا غابت؛ أي أن الحقائق ظهرت..

فحتى اسمها الذي تُنادى به اتضح أنه ليس حقيقياً..

فاسمها سعاد؛ ولكنها أطلقت على نفسها اسم سوزي… فأطلقه الناس عليها..

ثم لا الرموش رموشها… ولا الصدر… ولا الشعر..

ولا ذاك الذي يُقال إنه جذب انتباه – ونظر – حتى إمام مسجد الحي..

ومن قبل انتباه الشاعر كعب في فتاته سعاد..

فكل شيء فاتن فيها تبيّن أنه مزور… وكاذب.. ومخادع… وغير حقيقي..

والفضل في الانفضاح هذا يعود إلى كيد النسوة..

أو بعض نسوة الحي ممن غاظهن انشغال الرجال بها؛ وانشغالهم عنهن..

وكما بانت – بمعنى ظهرت – فجأة اختفت فجأة..

و……….بانت سعاد..

وتذكرت حكاية سعاد هذه وأنا أتفكَّر في حكاية ذات سرٍّ باتعٍ آخر..

ذات سرٍّ – كما سعاد – حتى اسمها غير حقيقي..

فكل شيء فيها ذو مفاتن هو خادعٌ… وكاذب… ومزور… ومصطنع..

وكما سعاد أيضاً ظهرت – أو بانت – فجأة..

إنها قحت التي تتزيّن بكل مصنوعٍ من الجمال الثوري لتخدع الناس..

بل ولتخدع المنطق… والتاريخ… والحقائق؛ كذلك..

وحين نجحت في خداع الكثيرين – عقب الثورة – دان لها الأمر..

وسرعان ما تبين أنها لا تملك شيئاً..

لا فكراً… ولا وعياً… ولا فهماً… ولا خبرةً في إدارة شؤون الدولة..

وانفضحت للجميع؛ وبانت..

ثم بانت – بالمعنى المضاد – مرة أخرى الآن لتمارس خداعها الأول..

ولأن سرها باتع فقد نجحت في خداع البعض..

نجحت في خداع بعض المؤثرين في شأننا الداخلي… من قوى الخارج..

أما أهل الداخل فلم ينخدعوا لها مرةً ثانية..

فقد أدركوا – كما أدرك أهل ذاك الحي حقيقة جمال سعاد – أن جمالها زائف..

فلا هي ذات سندٍ ثوري… ولا جماهيري..

فهي باتت محض شظايا لقحتٍ الأولى التي كانت تضم عدداً من الكيانات..

كيانات سياسية نأت بنفسها عن مسمى قحت..

ولكن من بقي من قحت تلك يصر على الاستئثار باسم قحت..

واستعانت بالذي استعانت به سعاد لتبدو فاتنة..

فهي – مثلاً – غير ذات خلفية ثورية… ولا شعبية… ولا تاريخية..

فاستعاضت عن ذلك بخلفية اصطناعية..

خلفية كالتي لفتت بها سعاد نظر – وانتباه – حتى إمام مسجد الحي ذاك..

فلم تنظر لخلفية قحت سوى بعض أعين الخارج..

الخارج الغربي… والعربي… والأفريقي..

وفي ظن الناظرين هؤلاء أن الخلفية هذه هي مضادٌّ سياسي لجرثومة الإسلاميين..

وحتى في هذه تخدعهم قحت..

فهم لا يعلمون أن بعض أهل قحت هذه يتواصلون مع قيادات إسلامية..

وهو تواصلٌ هدفه التحييد الانتهازي..

تماماً كما كانوا يتواصلون مع المكون العسكري سراً رغم شعار لا تفاوض..

أما المكون العسكري نفسه فلم ينخدع..

ولكنه ينحني للعواصف الثلاث لشيء في نفس الكاكي..

العواصف الغربية… والشرقية… والجنوبية..

وذلك حتى تهدأ – وتفقد قوتها – بتطاول أمد مفاوضات ما يُسمى الإطاري..

وبفقدان قحت سرها الباتع..

ثم يجيء عليها زمانٌ – قريب – يكون مصيرها كمصير سوزي..

وتستحق مقولة كعب لسعاده بالمعنى المضاد:

بانت سعاد!.

صحيفة الصيحة


مصدر الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى